محمد متولي الشعراوي
1896
تفسير الشعراوى
المؤمنين . أكان اللّه يترك الأمر مختلطا هكذا ، ولا يظهر المنافقين بأحداث تبين مواقعهم الحقة من الإيمان ؟ لا ، إنه سبحانه وتعالى لا يقبل ذلك ؛ حتى لا يظل المنافقون دسيسة في صفوف المؤمنين . وكان لا بد أن تأتى الأحداث لتكشفهم . وجاءت أحداث أحد لتهيج الصف المنسوب إلى الإيمان ، وتفرزه ليتميز الخبيث من الطيب ، مصداقا لقوله الحق : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ( من الآية 17 سورة الرعد ) إذن كانت أحداث أحد ضرورية . وقوله الحق : « ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ » مقصود بها أن اللّه لم يكن ليدع المؤمنين ويتركهم عرضة لاختلاط المنافقين بهم بدون أن يتميز المنافقون بشئ من الأشياء ، حتى لا تظل المسألة مقصورة على ما يعلمه اللّه لرسوله من أمر المنافقين . فلو أعلم اللّه رسوله فقط بأمر المنافقين ، ولو أعلن الرسول ذلك للمؤمنين دون اختبار واقعي للمنافقين لكان ذلك مجرد تشخيص نظري للنفاق يأتي من جهة واحدة ، وأراد اللّه أن تأتى حادثة واضحة وتجربة معملية واقعية تبين وتظهر الواقع ، حتى ينكشف المنافقون ، وحتى لا يعترض أحد منهم عندما يوصف بأنه منافق ، وحتى لا يكون هذا الوصف مجرد كلام من الخصم ، بل بفعل ارتكبوه هم عمليا ، وبذلك تكون الحجة قوية للغاية . لقد كان المنافقون أسبق الناس إلى الصفوف الأولى في الصلاة ؛ لأن كل منافق منهم أراد أن يحبك مسألة نفاقه ، ويواريه ، فيحرص على ما يندفع المؤمنون إليه ، والمنافق كان يعرف أن المؤمنين يتسابقون إلى الصلاة ، فهو يسارع ليكون في الصف الأول من الصلاة . ويخبر اللّه سبحانه وتعالى رسوله : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ( 30 ) ( سورة محمد )